المَوت والقَبر

فِتنة القَبر ونَعيمه أَو عَذابه

أَوَّل مَنزِل من مَنازِل الآخِرة

القَبر أَوَّل مَنازِل الآخِرة. مَن نَجا منه فما بَعده أَيسَر، ومَن لم يَنجُ منه فما بَعده أَشَدّ. فيه فِتنة (سُؤال المَلَكَين)، ثم نَعيم أَو عَذاب يَستَمِرّ إلى يَوم القِيامة.

الأَدلّة

حَديثأحمد والترمذي وصحّحه ابن حجر

القَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ.

تَفصيل ومَسائل

ضَمّة القَبر — لا يَنجو منها أَحَد

أَوَّل ما يَحدُث بَعد الدَّفن مُباشَرة: ضَمّة القَبر. يَضُمّ القَبر صاحِبه ضَمّة شَديدة، لا يَنجو منها أَحَد لا مُؤمن ولا كافِر. قال ﷺ: «إنَّ لِلقَبر ضَغطة، لو نَجا منها أَحَد لنَجا منها سَعد بن مُعاذ» (أحمد والنَّسائيّ وحسّنه ابن حجر). وسَعد بن مُعاذ كان من أَفضَل الصَّحابة، اهتَزَّ لمَوته عَرش الرَّحمن (البُخاريّ ومُسلم)، ومَع ذلك أَصابَته الضَّمّة. هي لَحَظة شَديدة قَصيرة، ثم يَأتي السُّؤال.

سُؤال المَلَكَين

بَعد الضَّمّة، يَأتيك مَلَكان أَسوَدان أَزرَقان (مُنكَر ونَكير). يَسأَلانك ٣ أَسئلة: (١) مَن رَبُّك؟ (٢) ما دينك؟ (٣) مَن نَبيُّك؟. المُؤمن يُجيب: «رَبِّيَ الله، وديني الإسلام، ونَبيِّي مُحَمَّد ﷺ». الكافِر والمُنافِق يَتَلَكَّأ ويَقول: «هاه هاه، لا أَدري، سَمِعت النّاس يَقولون شَيئاً فقُلتُه».

إجابة المُؤمِن — ليست بحِفظ

كَثير من النّاس يَظُنّ أنّه يَحفَظ الجَواب الآن فيَقوله. خَطَأ. هذه الإجابة لا تَأتي بحِفظ، بل بثَبات الإيمان في الدُّنيا. مَن عاش مُؤمناً عامِلاً، يَثبُت عند السُّؤال. مَن عاش مُتَخَبِّطاً، يَتَلَكَّأ. لذلك العَمَل الآن أَهَمّ من حِفظ جَواب.

نَعيم القَبر للمُؤمِن

بَعد جَوابه الصَّحيح، يَسمَع مُنادياً من السَّماء: «صَدَق عَبدي، فأَفرِشوه من الجنّة، وأَلبِسوه من الجنّة، وافتَحوا له باباً إلى الجنّة» (حَديث البَراء بن عازِب — أحمد وأبو داود وصحّحه ابن حجر). فيَأتيه من رَوحها وريحها، ويُوَسَّع له في قَبره مَدّ البَصَر، ويُنَوَّر له قَبره. وثَبَت في رِواية للحَديث: «نَم نَومة العَروس» — هذه اللَّفظة في بَعض طُرُق الحَديث في مُسنَد أحمد، ومَعناها: نَوم هَنيء في طُمَأنينة. حال المُؤمِن في قَبره: راحة وأُنس وانتِظار البَعث.

عَذاب القَبر للكافِر والعاصي

بَعد عَجزه عَن الإجابة، يَسمَع مُنادياً: «كَذَب، فأَفرِشوه من النّار، وأَلبِسوه من النّار، وافتَحوا له باباً إلى النّار». فيَأتيه من حَرّها وسَمومها، ويُضَيَّق عَلَيه قَبره حَتى تَختَلِف أَضلاعه. ويُسَلَّط عَلَيه أَعمى أَصَمّ يَضرِبه بمِرزَبَة من حَديد، لَو ضُرِب بها جَبَل لصار تُراباً. هذا العَذاب يَستَمِرّ إلى يَوم القِيامة.

أَسباب عَذاب القَبر

(1) الكُفر. (2) عَدَم التَّحَرُّز من البَول: «أَكثَر عَذاب القَبر من البَول» (الدارقطني وصحّحه ابن حجر). (3) النَّميمة. (4) الكَذِب. (5) الغُلول (السَّرِقة من الغَنيمة). (6) الدَّين بدون نِيّة سَداد. (7) تَرك الصَّلاة. (8) الزِّنا والرِّبا.

كَيف تَنجو من فِتنة القَبر؟

(1) الإخلاص في التَّوحيد. (2) المُحافَظة عَلى الصَّلَوات. (3) قِراءة سورة المُلك كل لَيلة (تُنجي من عَذاب القَبر — الترمذي وصحّحه ابن حجر). (4) المَوت في الرِّباط (حِراسة في سَبيل الله). (5) المَوت يَوم الجُمُعة (يُوقى فِتنة القَبر — الترمذي وحسّنه ابن حجر). (6) الاستِعاذة من عَذاب القَبر في كل تَشَهُّد.

حُكم عَذاب القَبر — هل ثابِت؟

نَعَم، ثابِت بإجماع أَهل السُّنّة، بأَدلّة قَطعية من القُرآن والسُّنّة المُتَواتِرة. مَن أَنكَره من المُعتَزِلة وغَيرهم فقَد أَنكَر مَعلوماً من الدِّين بالضَّرورة. لا يَتَنَزَّل العَذاب عَلى الجَسَد المَدفون فقط، بل عَلى الرّوح أَو عَلى مَجموعهما — هذا غَيب تَفصيله إلى الله.

ذو صِلة