الغيبة والنَّميمة كَبيرَتان من كَبائر الذُّنوب. في عَصرنا تَنتَشِران أَكثَر من أَيّ وَقت بسَبَب وَسائل التَّواصُل. لا يَكاد يَنجو منهما إلا مَن رَحِم الله.
تَفصيل ومَسائل
تَعريف الغيبة شَرعاً
قال ﷺ: «أَتَدرون ما الغيبة؟ ذِكرك أَخاك بما يَكرَه. قيل: أَفرَأَيت إن كان في أَخي ما أَقول؟ قال: إن كان فيه ما تَقول فقَد اغتَبتَه، وإن لم يَكُن فيه ما تَقول فقَد بَهَتَّه» (مُسلم). فالغيبة: ذِكر المُسلِم في غيابه بما يَكرَه ولو كان حَقّاً. زاد عَلَيها البُهتان إذا كان كَذِباً.
صور الغيبة
(١) اللَّفظي: «فُلان بَخيل»، «فُلانة لا تَهتَمّ بأَولادها». (٢) الإشارة والتَّقليد: تَقليد مَشيَته، حَرَكَتها بشَكل مُضحِك. (٣) الكِتابة: كَتابة عنه في WhatsApp، تَعليق ساخِر. (٤) الإشارة بالعَين: غَمز عَنه. (٥) «السَّماع» وَ«التَّأييد»: مَن يَسمَع غيبة ويَرضى أَو يَضحَك فقَد شارَك. (٦) التَّعريض الخَفي: «والله أَستَحي أن أَذكُر اسمه، لَكنّ فُلاناً...».
تَعريف النَّميمة
نَقل كَلام أَحَد إلى آخَر بقَصد الإفساد بَينهما. مَثَل: «فُلان قال عنك كذا». قال ﷺ: «لا يَدخُل الجنّة نَمّام» (البُخاريّ ومُسلم). من عَلامات عَذاب القَبر — مَرَّ النَّبيّ ﷺ بقَبرَين فقال: «إنّهما ليُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كَبير، أَمّا أَحَدهما فكان يَمشي بالنَّميمة، وأَمّا الآخَر فكان لا يَستَتِر من بَوله» (البُخاريّ).
متى تَجوز «الغيبة»؟ (٦ حالات اِستَثناها العُلَماء)
(١) التَّظَلُّم عند قاضٍ: «فُلان ظَلَمني». (٢) الاستِفتاء: «زَوجي يَفعَل كذا، ما حُكمه؟». (٣) التَّحذير من شَرّ: «احذَر فُلاناً لأَنّه يَغُشّ في البَيع» — قَصد النُّصح لا التَّشَفّي. (٤) الاستِشارة في زَواج أَو شَرِكة: «هَل تَنصَحني بفُلان زَوجاً؟». (٥) مَن أَعلَن فِسقه: مَن جاهَر بالفِسق لَيس له غيبة فيما أَعلَن. (٦) تَعريف الشَّخص بصِفته المَشهورة: «الأَعرَج»، «الأَعمى» — إن لم يَتَأَذَّ بها.
كَفّارة الغيبة
(١) التَّوبة: نَدَم وَعَزم عَلى عَدَم العَودة. (٢) الدُّعاء للمُغتاب: قال بَعض السَّلَف لمَن سَأَله عَن كَفّارة غيبَته: «ادعُ لَه واستَغفِر لَه بقَدر ما اغتَبتَه». (٣) الاعتِذار إن وَصَل الخَبَر إلَيه أَو تَأَذّى. (٤) إذا لَم يَعلَم بالغيبة: الجُمهور يَرى أنّ الاعتِذار قَد يَزيد الفِتنة، فالدُّعاء كافٍ.
ماذا تَفعَل إذا سَمِعت غيبة؟
(١) دَفع الغيبة عَن الغائب واجِب: «مَن ذَبَّ عَن عِرض أَخيه ذَبَّ الله عَن وَجهه النّار يَوم القِيامة» (الترمذي وحسّنه ابن حجر). (٢) قُل لمَن يَغتاب: «اِتَّقِ الله، هذا أَخوك بظَهر الغَيب». (٣) غَيِّر المَوضوع إن لم تَستَطِع المُواجَهة. (٤) إذا أَصَرّوا: قُم من المَجلِس. (٥) لا تَستَمتِع ولو في قَلبك — مُجَرَّد الرِّضى مَعصية.
تَنبيهات
<strong>الغيبة أَشَدّ من الزِّنا</strong> عند بَعض السَّلَف، لأَنّ الزّاني يَتوب فيُغفَر له بَين الله وَنَفسه، أَمّا الغيبة فلا تُكَفَّر إلا بمَغفِرة مَن اغتَبتَه.
في يَوم القِيامة، تَأخُذ الحَسَنات منك إلى مَن اغتَبت. فإذا فَنِيَت حَسَناتك، طُرِحَت سَيِّئاتهم عَلَيك. هذا الإفلاس الحَقيقي.