نص الشبهة
يَقول بَعضهم: إنّ الجَسَد يَتَحَلَّل في القَبر فلا يَبقى ما يُعَذَّب. وكيف يَكون عَذاب في قَبر يَنبشه عُلَماء الآثار فلا يَجدون فيه إلا عِظاماً؟ يَقولون: عَذاب القَبر إذن خُرافة لم يَأتِ بها العَقل ولا العِلم.
الرد العلمي
هذه الشُّبهة تَنطَلق من تَصَوُّر مادّيٍّ ضَيِّق، لا يَفقَه الفَرق بَين عالَم الغَيب وعالَم الشَّهادة. وجَوابها من عِدّة وُجوه:
1) ثُبوته بالقَطع من الكِتاب والسُّنّة
عَذاب القَبر ثابت بآيات صَريحة:
> ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].
فهذا عَرض على النّار قَبل قيام السَّاعة. وهو عَذاب البَرزَخ.
> ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101].
والمَرَّة الأُولى عَذاب البَرزَخ.
وثَبَتَت أَحاديث مُتَواترة في صَحيح البُخاري ومُسلم وغَيرهما عن النَّبيّ ﷺ في عَذاب القَبر، حتى كان يَستَعيذ منه في كلّ صَلاة قَبل السَّلام.
2) العَذاب يَكون على الرّوح والبَدَن جَميعاً
كما حَقَّقه ابن القَيّم في كِتاب «الرّوح» والإمام ابن تيميّة في «مَجموع الفَتاوى»: العَذاب في القَبر يَكون على الرّوح أَصالة، ويَتَّصل بالبَدَن بحَسب ما يَشاء الله.
والرّوح لا تَفنى بفَناء البَدَن. فيَكون النَّعيم أَو العَذاب على الرّوح، ويَتَّصل بَعض ذلك بالبَدَن وإن كان مُتَحَلِّلاً.
3) العَذاب من عالَم الغَيب لا يُدرَك بالحَواسّ
النَّوم آية بَين أَيدينا:
- النائم يَرى نَفسه في رَوض جَميل، يَشعر بالسَّعادة الحَقيقية في رُوحه.
- وقَد يَرى كَوابيس مُؤلِمة، يَستَيقظ منها مُتَعَرِّقاً مَرعوباً.
- ومن يَنظر إليه لا يَرى من ذلك شَيئاً، بل يَراه ساكناً.
فإذا كانت الرّوح تُحِسّ النَّعيم والعَذاب أَثناء النَّوم بدون أن نَراه، فالأَمر بَعد المَوت أَولى أن لا تُدرِكه أَعيُننا.
4) العَذاب لا يَخْتَصّ بالقَبر المَدفون
كَثير من النّاس يَموتون فلا يُدفَنون: غَريق، مَحرُوق، مَن تأكله السِّباع. وعَذاب البَرزَخ يَكون لكلّ هَؤلاء على رُوحهم. والقَبر اسم على البَرزَخ، لا على الحُفرة فقط.
ولذلك، حَتّى لو نَبَش العالم قَبراً ولم يَجد فيه آثار عَذاب، فإنّ العَذاب الحَقيقيّ يَجري على الرّوح في عالَم آخر.
5) العِلم الحَديث لا يُبطِل الغَيب
العِلم الطَّبيعيّ يَدرس ما يُمكن أن يُحَسّ ويُقاس. وليس من شَأنه أن يُثبِت أَو يَنفي ما خَرج عن نِطاق الحَواسّ.
نَحن لا نَرى الجِنّ، ولا نَرى المَلائكة، ولا نَرى الرّوح نَفسها. ومع ذلك، كلّها حَقائق ثَبَتَت في الشَّريعة، ولَم يَستَطع أَحَد إنكارها بدَليل عَقليّ ولا تَجريبيّ.
6) الإنكار جُرأة على الله
من رَدّ نَصّاً قاطعاً من كِتاب الله أَو حَديثاً مُتَواتراً عن رَسوله ﷺ بحُجّة «العَقل»، فقد وَضَع رَأيه فَوق وَحي الله. وهذا الذي حَذَّر منه الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
7) الإنكار يَنقُض رُكناً من أَركان الإيمان
الإيمان باليَوم الآخر رُكن من أَركان الإيمان. وعَذاب القَبر مَرحلة من مَراحله. ومَن أَنكَره فقد شَكّ في ما هو أَعظَم منه (البَعث، الحَشر، الحِساب، الجنّة، النّار).
والإنسان إن أَخَذ يَنفي كلّ غَيب لأنّه لا يَراه، فقد حَكَم على نَفسه أن يَعيش بدون يَقين وبدون مَعنى.
الخُلاصة
عَذاب القَبر ثابت بأَدلّة قاطعة، مَعقول التَّصَوُّر، خارج نِطاق العِلم الحِسّيّ، وإنكاره جَرأة على الوَحي وقَدح في رُكن من أَركان الإيمان.
واحرَص على الاستِعاذة منه دَوماً، فقد كان ﷺ يَدعو في كل صَلاة: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من عَذاب القَبر».
تفسير ابن كثير. الروح لابن القيم. مجموع الفتاوى لابن تيمية. شرح العقيدة الواسطية.