شبهات القرآن

شُبهة: في القرآن تَناقُضات داخلية

نص الشبهة

يَقول بَعضهم: القرآن فيه آيات تُناقِض بَعضها. مَثلاً: آيات تَأمر بالعَفو وآيات تَأمر بالقِتال. آيات تَقول إنّ الله غَفور رَحيم وآيات تُخَوِّف من العَذاب. آيات تَقول إنّ الإنسان يَفعل بنَفسه وآيات تَقول إنّ الله يَهدي ويُضلّ. أَلا يَدُلّ هذا على أنّ القرآن مُؤَلَّف بَشرياً؟

الرد العلمي

هذه الشُّبهة قَديمة جِدّاً، ردّ عليها العُلَماء منذ القُرون الأُولى. والجَواب:

1) القرآن نَفسه يَتَحَدّى بهذا

قال الله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

فالله نَفسه قال: لو كان من عند غَير الله لَوَجَدوا فيه اختِلافاً كَثيراً. والتَّحَدّي قائم منذ 14 قَرناً، ولَم يَستَطِع أَحَد أن يُقَدِّم تَناقُضاً حَقيقيّاً.

2) الفَرق بَين التَّعارُض الظاهريّ والتَّناقُض الحَقيقيّ

التَّناقُض في عُرف المَنطق: أن يَكون الشَّيء وضِدُّه في نَفس الجِهة وفي نَفس الوَقت. مَثلاً: «هذا اليَوم مَطر» و«هذا اليَوم لا مَطر» — تَناقُض.

أمّا «هذا اليَوم مَطر في الصَّباح» و«هذا اليَوم لا مَطر في الظَّهر» — لا تَناقُض، لأنّ الجِهة مُختَلِفة (الوَقت).

كلّ ما يَدَّعي البَعض أنّه تَناقُض في القرآن هو من النَّوع الثاني: مَواقف مُختَلِفة، أَوقات مُختَلِفة، أَو حالات مُختَلِفة.

3) أَمثلة على ما يُسَمّى «تَناقُضاً»

مِثال 1: العَفو والقِتال

  • آية العَفو: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14].
  • آية القِتال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5].

الجَواب: الجِهة مُختَلِفة. آية العَفو في حَقّ شَخصيّ بَين فَرد وفَرد. آية القِتال في سياق حَرب أَعلَنها الله على الذين نَقَضوا عَهدهم وقاتَلوا المُسلمين.

ومَن قال إنّ الإنسان لا يَعفو في حَقّه الشَّخصيّ، ويُدافع عن نَفسه إذا اعْتُدي عليه؟ هذا من العَدل.

مِثال 2: الرَّحمة والعَذاب

  • ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
  • ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12].

الجَواب: لا تَناقُض. الرَّحمة والعَذاب صِفَتان مُتَلازِمَتان لإله عادل. الله رَحيم بمن استَحَقّ الرَّحمة، شَديد البَطش بمن أَصَرّ على الكُفر والظُّلم.

كذلك القاضي العادل: رَحيم بالأَبرياء، شَديد على المُجرمين. ومَن قال إنّ القاضي مُتَناقض؟

مِثال 3: هِداية الله وإرادة الإنسان

  • ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
  • ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].

الجَواب: لا تَناقُض. الهِداية نَوعان:

  • هِداية إرشاد ودَلالة: قُدرة كل مُرشِد. والنَّبيّ ﷺ هَدى به الله النّاس بهذا المَعنى.
  • هِداية تَوفيق وقَبول في القَلب: لا يَملِكها إلا الله.

والإنسان مُختار في فِعله، مَسؤول عنه. لكنّ التَّوفيق للهُدى من الله. كما تَقول لابنك: «اخْتَر أن تَنجح» — وأنت تَعلَم أنّ النَّجاح يَحتاج إلى تَوفيق من الله، مع اخْتِيار من ابنك.

4) النَّسخ ليس تَناقُضاً

بَعض الآيات نُسخت آيات أُخرى. مَثلاً: تَحريم الخَمر جاء على مَراحل. هذا ليس تَناقُضاً، بل تَدَرُّجاً تَشريعياً يُراعي طَبيعة النَّفس البَشرية.

والنَّسخ عُرف في كل تَشريع. القَوانين البَشرية تُعَدَّل وتُلغى دائماً، ولا يَقول أَحَد إنّها مُتَناقضة. القرآن نَزل في 23 سَنة، وكان التَّشريع يُبْنى مَرحلة بَعد مَرحلة.

5) فَهم الآيات يَحتاج إلى عِلم

لفَهم القرآن فَهماً سَليماً، يَجب:

  • معرفة سَبَب النُّزول.
  • معرفة العامّ والخاصّ.
  • معرفة النّاسخ والمَنسوخ.
  • معرفة اللُّغة العَربية التي نَزل بها.
  • معرفة سِياق الآية في السُّورة وفي القرآن كلِّه.

من أَخَذ آيتَين مَنزوعتَين من سياقهما، لا يَملك حَقّ القَول إنّ بَينهما تَناقُضاً.

6) كلّ تَناقُض ادَّعاه أَحَد، رَدَّه العُلَماء

كَتَب العُلَماء كُتُباً كاملة في الرَّدّ على شُبَه التَّناقُض في القرآن:

  • «تأويل مُشكِل القرآن» لابن قُتَيبة (276 هـ).
  • «دَرء تَعارُض العَقل والنَّقل» لابن تَيمية (728 هـ).
  • «البُرهان في عُلوم القرآن» للزَّركَشي.
  • «الإتقان» للسُّيوطي.

كل ما يَدَّعيه المُلحدون اليَوم من تَناقُضات، رُدّ عليها قَبل قُرون. ومَن أَراد التَّحَقُّق، فإلى هذه الكُتُب.

7) التَّجرِبة العِلمية

من قَرأ القرآن بقَلب صادق وعَقل مُنفَتح، شَعَر بالانسِجام والتَّكامُل، لا بالتَّناقُض. كَثير من الذين دَخَلوا الإسلام في الغَرب، بَدَؤوا بقِراءة القرآن بهَدف انتِقاده، فانتَهَوا بالإسلام.

الخُلاصة

ما يُدَّعى من تَناقُضات في القرآن إمّا من سُوء فَهم النَّصّ، أَو نَزع للآية من سياقها، أَو جَهل بقَواعد التَّفسير. والقرآن يَتَحَدّى منذ 14 قَرناً أن يَأتي أَحَد بتَناقُض حَقيقيّ، وما استَطاع أَحَد.

نَصيحَتنا: اقرأ القرآن بنَفسك، بقَلب مُنصِف، مع تَفسير مَوثوق (كتفسير ابن كَثير أَو السَّعدي)، وستَجده آية الإعجاز الكُبرى.

المراجع والمصادر

تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة. درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.