كلاسيكية

المعتزلة

فرقة كلاسيكية — من الفرق التي ظهرت في القرون الأولى.

المؤسس

تأسّست المعتزلة على يد واصل بن عطاء (80-131هـ) في حدود مطلع القرن الثاني الهجري. والقصة المشهورة في تسميتهم: أنه لمّا اعتزل واصل مجلس الحسن البصري بعد خلافه معه في حكم مرتكب الكبيرة، أشار الحسن إليه قائلاً: «اعتزلَنا واصل»، فلُقّب أتباعه بـ«المعتزلة». ومن أبرز رؤوسهم بعده: عمرو بن عبيد (ت 144هـ)، أبو الهذيل العلّاف (ت 235هـ)، النَّظّام (ت 231هـ)، الجاحظ (ت 255هـ) صاحب الأدب المعروف، القاضي عبد الجبّار (ت 415هـ) وهو آخر كبارهم وأشهرهم في التدوين بعد ضعف المذهب، الزمخشري (ت 538هـ) صاحب «الكشّاف» في التفسير.

النشأة

التأسيس والنشأة

نشأت المعتزلة في البصرة في مطلع القرن الثاني الهجري، على يد واصل بن عطاء. وقد جمع المعتزلة بين أمرين: الأخذ بالعقل والنظر الكلامي، والتأثّر بالفلسفة اليونانية التي بدأت تترجم إلى العربية في عصرهم.

مراحل تطوّر المذهب

أ) مرحلة التأسيس والنشأة (2-3 هـ)

بدأ المذهب بمسألة واحدة هي حكم مرتكب الكبيرة (هل هو مؤمن أم كافر أم في منزلة بين منزلتين؟)، ثم اتّسع تدريجياً ليشمل التوحيد والصفات والقدر والإمامة.

ب) مرحلة الانتشار والقوّة (3-4 هـ): «المحنة»

في عهد الخليفة العباسي المأمون (218هـ) ثم المعتصم ثم الواثق، تبنّت الدولة المذهب الاعتزالي رسمياً، وبدأت محنة عظيمة عُرفت بـ«محنة خلق القرآن». اضطُهد فيها أئمة أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صَبَر صَبراً عظيماً وَجُلِد وحُبس. قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (11/237) عن صبر الإمام أحمد:

«كان أحمد بن حنبل في زمن المحنة كالطود الراسخ، يُضرب بالسياط ولا يحيد عن الحقّ، فحفظ الله به السنّة وردّ بصبره العقيدة الحقّة.»

ثم جاء الخليفة المتوكّل (232هـ) فأبطل المحنة وأظهر السنّة، وانكسرت شوكة المعتزلة.

ج) مرحلة الانحسار والتدوين (5-6 هـ)

تراجع نفوذ المعتزلة بعد سقوط الدولة العباسية الأولى، لكن بقي بعض رؤوسهم في علم الكلام والتأليف، وعلى رأسهم القاضي عبد الجبّار صاحب «المغني» (20 مجلداً) في التوحيد والعدل.

د) المرحلة المعاصرة

انقرض المذهب الاعتزالي بصفته تجمّعاً مستقلاً، لكن بقيت أصوله الكلامية مؤثّرة في تيّارات معاصرة:

  • التيّار العقلاني الإسلامي الذي يقدّم العقل على النصّ في تفسير الدين.
  • التيّار التنويري الذي يحاول إعادة قراءة النصوص بمنطق الحداثة.
  • بعض الكتّاب المعاصرين الذين يُحيون أفكار المعتزلة في الإعلام والفكر.

التنبيه على الفرق بين المعتزلة والأشاعرة

كثيراً ما يقع الخلط، وبيان الفرق:

  • المعتزلة: أنكروا الصفات كلّها، فقالوا الله عالم بلا علم، قادر بلا قدرة... وهذا تعطيل صريح.
  • الأشاعرة: أثبتوا سبع صفات وأوّلوا الباقي، فهم وسط بين المعتزلة والسنّة. وقد قال ابن تيمية كما تقدّم: «الأشعرية أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنّة».

والمعتزلة هم الأصل الذي خرج من جلباب الفلسفة اليونانية وأعطى صورة سيّئة عن العقل الإسلامي حين يتحرّر من النصّ.

أبرز المعتقدات المخالفة

بنى المعتزلة مذهبهم على خمسة أصول، أعلنوا أن من جحدها فليس منهم:

الأصول الخمسة

1) التوحيد — وهو عندهم نفي الصفات

زعموا أن إثبات الصفات يلزم منه تعدّد القُدماء (تعدّد الآلهة)، فقالوا: الله عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، حيّ بلا حياة. وهذا تعطيل محض ينتهي إلى تشبيه الله بالمعدومات.

ومن لوازم هذا الأصل عندهم:

  • إنكار الرؤية (أن المؤمنين لا يَرَوْن ربّهم في الآخرة).
  • القول بخلق القرآن.
  • تأويل الاستواء واليد والوجه ونحوها.

2) العدل — وهو عندهم نفي خلق أفعال العباد

قالوا: لو خلق الله أفعال العباد ثم عذّبهم عليها لكان ظالماً، تعالى الله عن قولهم. فقرّروا أن العبد يخلق فعله مستقلاً عن الله. وهذا قول خطير ينتهي إلى أن في الكون خالقَين: الله وعبده، وقد ردّه القرآن صريحاً: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].

3) المنزلة بين المنزلتين

قالوا: مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، بل في منزلة بينهما. وهذا تجديد لم يَعرفه السلف، الذين قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، أو فاسق بفسقه.

4) الوعد والوعيد — إنفاذ الوعيد بلا عفو

زعموا أن من مات على كبيرة بلا توبة فهو مخلَّد في النار قطعاً، وأنّ الله لا يجوز عليه أن يعفو. وهذا يحجر على الله جلّ جلاله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — بالسيف

قالوا بوجوب الخروج على الحاكم الفاسق بالسيف، وهذا مخالف لإجماع أهل السنّة على الصبر على ولاة الجور ما لم يَأْتُوا كفراً بَوَاحاً.

مخالفات أخرى تابعة

  • القول بخلق القرآن (من فروع تعطيلهم للصفات): وقد فُتنت الأمة في زمنهم، وحفظ الله السنّة بالإمام أحمد.
  • إنكار عذاب القبر عند بعضهم.
  • إنكار الصراط والميزان على الحقيقة، وتأويلها.
  • إنكار الشفاعة لمرتكبي الكبائر.
  • تحكيم العقل في الشرع بدل تحكيم الشرع في العقل.

الرد العلمي

ردَّ أئمة أهل السنّة على المعتزلة في كل أصولهم الخمسة، ونقضوا أصلهم في الاحتكام إلى العقل أمام النصّ.

أوّلاً — ردّ الإمام أحمد بن حنبل

كان الإمام أحمد رأس الردّ على المعتزلة في زمن المحنة. ومن أقواله المشهورة في القرآن (نقلها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» 11/238):

«القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال مخلوق فهو جهميّ كافر. ومن قال هو كلام الله ووقف فهو مبتدع. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهميّ، ومن لم يقل غير مخلوق فهو جهميّ.»

وألّف الإمام أحمد كتابه «الردّ على الجهمية والزنادقة» الذي يُعدّ من أقدم كتب الردّ على المعتزلة وفروعهم.

ثانياً — ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية

على أصلهم في نفي الصفات

قال في «مجموع الفتاوى» (5/26):

«المعتزلة هم رؤوس النفاة المعطّلة في هذه الأمّة، وقد جمعوا بين تشبيه الله بالمعدومات (في نفي الصفات) وبين تشبيهه بالناقصات (في نفي ما يلزم من إثبات الصفات بزعمهم). وكلا القولين ضلال.»

على أصلهم في تقديم العقل

قال في «درء تعارض العقل والنقل» (1/199):

«المعتزلة لمّا قدّموا العقل على النقل، ضلّوا ضلالاً بعيداً، فإن العقل لا يَستقلّ بمعرفة كلّ ما أخبر به الرسول، وما لا يستقلّ به العقل لا يجوز أن يُحاكَم إليه. وغايةُ العقل أن يُثبت أن ما جاء به الرسول حقّ، فأمّا تفاصيل ما أخبر به فالعقل تابع لا متبوع.»

على أصلهم في خلق القرآن

قال في «منهاج السنة» (5/425):

«قول المعتزلة بخلق القرآن من أعظم الزَّيْغ، فالقرآن كلام الله بلفظه ومعناه، تكلّم به سبحانه حقيقة، وسمعه جبريل، ونزل به على محمد ﷺ. ومن قال غير ذلك فقد خالف صريح القرآن وإجماع السلف.»

على أصلهم في نفي العفو

قال في «مجموع الفتاوى» (8/96):

«المعتزلة جعلوا العفو على الله مستحيلاً، وهذا تحجير على الله بغير دليل. والله سبحانه قد أخبر أنه يَعفو عمّا دون الشرك لمن يشاء، وهذا قاطع في إثبات سعة عفوه ومشيئته.»

ثالثاً — ردّ الإمام ابن القيم

قال في «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة» (2/612):

«المعتزلة بَنوا أصولهم على عقولهم، ثم أوّلوا النصوص لتوافق ما قرّروه. ولو سَلِم لهم هذا لاستقام لكلّ صاحب رأي أن يبني ديناً جديداً ويفسّر النصوص بهواه. وإنما الحقّ أن نبني عقولنا على وحي الله، لا أن نبني وحي الله على عقولنا.»

وقال في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص 55):

«إن إنكار الصفات سبيل إلى إنكار الذات، فإن ذاتاً لا صفة لها لا تتميّز عن المعدوم. والمعتزلة لو دقّقوا في لازم قولهم لرجعوا.»

رابعاً — ردّ الإمام الذهبي

قال في «العلوّ للعليّ الغفّار» (ص 232):

«ما من معطّل ولا مؤوّل إلا وقد ركبه شَيْنٌ في عقيدته، فأخرج بعقله ما لم يُخرجه الكتاب ولا السنّة. والسلامة في اتّباع الأثر، فمن سلك طريق السلف نجا، ومن خالفهم — مهما زيَّن قوله — وقع في الحَيرة.»

خامساً — قاعدة أهل السنّة في الردّ على المعتزلة

في الصفات

قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

  • في «ليس كمثله شيء» ردّ على المشبّهة.
  • في «وهو السميع البصير» ردّ على المعتزلة المعطّلة.

في خلق أفعال العباد

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].

  • جمع بين خلق العباد وخلق أعمالهم. والعبد له مشيئة وقدرة لكنّها لا تخرج عن مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30].

في خلق القرآن

قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6].

  • المسموع هنا هو القرآن الذي يتلوه النبي ﷺ، فهو كلام الله بلفظه، وكلام الله صفة من صفاته غير مخلوقة.

في الوعد والوعيد

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48 و116].

  • صريحٌ في إثبات سعة عفو الله ومشيئته، وأنه لا يخلَّد في النار من مات على كبيرة دون الشرك.

في المنزلة بين المنزلتين

قال النبي ﷺ في الحديث المتّفق عليه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن.»

  • قال الإمام النووي في شرح مسلم: «المراد نفي كمال الإيمان، لا نفي أصله. ومرتكب الكبيرة عند أهل السنّة مؤمن ناقص الإيمان فاسق بفسقه، تحت مشيئة الله: إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.»

سادساً — موقف أهل السنّة من المعتزلة المعاصرين

من توجيهات أهل العلم:

  • التمييز بين العقلانية المنضبطة والعقلانية المنحرفة: العقل في الإسلام آلة للفهم لا حاكم على الوحي. ومن أعمل عقله في فهم النصّ على ضوئه فهو محقّق، ومن جعل عقله ميزاناً للنصّ فهو معتزليّ في المنهج وإن لم يَنتسب إليهم.
  • عدم الانخداع بالأسماء الجديدة: «التنويريون»، «العقلانيون»، «أهل الحداثة الإسلامية» — كثير منهم يعيد إنتاج أصول المعتزلة بأسماء جديدة وأدوات حديثة.
  • ردّ الشبهة بالعلم: ينبغي للداعية أن يَكون على دراية بأصول الكلام ليُحسن الردّ على من يَستعمل أدواتهم.
  • عدم التكفير بإطلاق: المعتزلة في الجملة من أهل القبلة، لم يكفّرهم أئمة السنّة على إطلاقهم، إلا في مسائل محدّدة كالقول بخلق القرآن مع قيام الحجّة، فقد كفّر فيها الإمام أحمد المعاندين.

المراجع

للتوسّع: «شرح أصول السنّة» للإمام أحمد. «الردّ على الجهمية والزنادقة» للإمام أحمد. «خلق أفعال العباد» للإمام البخاري. «الصفات» للدارقطني. «منهاج السنّة النبوية» لابن تيمية. «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (10 مجلدات). «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطّلة» لابن القيم. «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم. «العلوّ للعليّ الغفّار» للذهبي. ومن المعاصرين: «المعتزلة وأصولهم الخمسة» لعواد بن عبد الله المعتق. «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» لعبد الرحمن المحمود (يفرّق بين المذهبين). من شروح المعاصرين: «شرح العقيدة الواسطية» للشيخ ابن عثيمين.