النَّسَب والمَولد
هي عائشة بنت أَبي بَكر الصِّدِّيق بن أَبي قُحافة التَّيمية القُرَشية. أُمّها أُمّ رُومان بنت عامر. تَزَوَّجها النَّبيّ ﷺ بَعد وَفاة خَديجة، وكانت أَحبّ نِسائه إليه.
سُئل ﷺ: «أَيّ النّاس أَحَبّ إليك؟» قال: «عائشة». قالوا: «فمن الرِّجال؟» قال: «أَبوها» (متفق عليه).
القِصّة المُؤثِّرة الأُولى: حَديث الإفك
في غَزوة بَني المُصطَلِق، تَخَلَّفَت عائشة عن الجَيش لمّا نَزَلَت من هَودَجها لبَعض الحاجة، ثم لمّا رَجَعَت لم تَجد العَقد، فلمّا وَجَدَته كان الجَيش قد مَضى. فبَقِيَت في مَكانها، فمَرّ بها صَفوان بن المُعَطَّل من ساقَة الجَيش، فعَرَفها وأَركَبها ناقَته وقادَها حتى لَحِقَت الجَيش.
اغتَنَم المُنافقون رَأسَهم عَبد الله بن أُبَيّ بن سَلول الفُرصة، ونَشَروا حَولها حَديث الإفك (الكَذِب)، يَتَّهمونها فيه بفاحشة لم تَكن.
استَمَرّ الكَلام في المَدينة شَهراً كاملاً، وعائشة لا تَدري بشَيء، ثم لمّا عَلِمَت بَكَت بُكاءً شَديداً، وانقَطَعَت عن الطَّعام والشَّراب، حتى ظَنَّت أنّ كَبِدها تَتَفَتَّت من البُكاء.
وكان النَّبيّ ﷺ يَتأَلَّم لذلك ويَستَشير الصَّحابة، فتَرَدَّد ولم يَنزل عليه وَحي شَهراً كاملاً. ثم سَأَل عائشة وقال لها:
> «يا عائشة، إنّه قد بَلَغَني عَنك كَذا وكَذا. فإن كنتِ بَريئة فسَيُبَرِّئك الله، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذَنب فاستَغفري الله وتُوبي إليه».
فجَفّ دَمعها، وقالت كَلِمتها الخالِدة: «والله، ما أَجد لي ولكم مَثَلاً إلا أَبا يوسف، إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾».
ثم اضطَجَعَت على فِراشها، وقد أَيقَنَت أنّ الله سيُبَرِّئها.
ولَم يَقُم النَّبيّ ﷺ حتى نَزَل عليه الوَحي، فأَخَذَه ما كان يَأخذه من البَرحاء، حتى إنّه ليَتَحَدَّر منه العَرَق في اليوم الشاتي. ثم استَوى وقال: «أَبشِري يا عائشة، فقد بَرَّأَك الله».
ونَزَلَت بَراءتها من فَوق سَبع سَماوات، عَشر آيات في سُورة النّور (الآيات 11-20):
> ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [النور: 11].
فقالت لها أُمّها: «قُومي إليه يا عائشة». فقالت عائشة في موقف عَزَّ بشَرَفها: «والله لا أَقوم إليه، ولا أَحمَد إلا الله، فهو الذي أَنزَل بَراءتي».
فِقهها وعِلمها
كانت عائشة من أَعلَم الصَّحابة. قال أَبو موسى الأَشعَري: «ما أَشكَل علَينا — أَصحاب رَسول الله ﷺ — حَديث قَطّ، فسَأَلنا عائشة، إلا وَجَدنا عِندها منه عِلماً» (الترمذي وصحّحه ابن حجر).
روى عنها 2,210 أَحاديث في الكُتُب التِّسعة، فهي رابع الصَّحابة في كَثرة الرِّواية بَعد أبي هُرَيرة وابن عمر وأَنس.
كانت تُفتي وتُصَحِّح للصَّحابة وللتابعين. ولها استِدراكات عَلى بَعض الصَّحابة جَمَعها الإمام الزَّركَشي في كِتاب «الإجابة لإيراد ما استَدرَكَته عائشة على الصَّحابة».
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: وَفاة النَّبيّ ﷺ على صَدرها
في مَرَض مَوت النَّبيّ ﷺ، طَلَب من زَوجاته أن يَبقى في بَيت عائشة، وأَذِنَّ له. ومَرض ﷺ في بَيتها.
في يَوم وَفاته، جاءَت عائشة تَحمل بَيدها سِواكاً جاء به أَخوها عَبد الرَّحمن. فتَأَمَّله النَّبيّ ﷺ بنَظَره، فعَرَفت أنّه يُريده، فأَخَذَته منه ولَيَّنَته بأَسنانها وأَعطَته إياه، فاستَنّ به على أَحسَن ما كان يَستَنّ.
ثم وَضَع رَأسه ﷺ في حِجرها، وكان عِنده قَدَح فيه ماء، فأَدخل يَده فمَسَح وَجهه، ثم رَفَع يَدَه — أَو إصبَعه — إلى السَّماء وقال: «في الرَّفيق الأَعلى، في الرَّفيق الأَعلى».
تَقول عائشة: «ومات بَين سَحْري ونَحْري» (أَي بَين صَدري ورَقَبَتي). وكانت تَقول: «إنّ من نِعَم الله علَيّ أنّ رَسول الله ﷺ تُوُفّي في بَيتي، وفي يَومي، وبَين سَحري ونَحري، وإنّ الله جَمَع بَين رِيقي ورِيقه عند مَوته» (صحيح البخاري).
مَكانتها بَعد النَّبيّ ﷺ
عاشَت بَعده 47 سَنة، وكانت مَرجعاً لكِبار الصَّحابة في الفِقه والحَديث والتَّفسير. كان كِبار الصَّحابة يُرسلون إليها يَستَفتونها ويَستَوضحونها.
كانت كَريمة جدّاً، تَتَصَدَّق بكل ما تَملك. أَرسَل لها مُعاوية مرّة بمئة أَلف دِرهم، فما أَمسَت حتى فَرَّقَتها. وكانت صائمة، فقالت لها مَولاتها: «لو ابتَعتِ لنا بدِرهم لَحماً نُفطر عليه؟» قالت: «لو ذَكَّرتِني لفَعَلت».
وَفاتها
تُوُفِّيت رَضي الله عنها سنة 57 هـ، ودُفِنَت بالبَقيع، أَوصَت أن تُدفَن في اللَّيل لكَراهيتها أن يَراها الناس.
دُروس من حياتها
1) العِلم لا يَختَصّ بالرِّجال
عائشة عالِمة كانت تُفتي كِبار الصَّحابة. لا حَجر على المرأة في طَلَب العِلم وتَعليمه ضمن ضَوابط الشَّرع.
2) الصَّبر على البَلاء كرامة
شَهراً كاملاً وهي تُتَّهَم بأَفظَع تُهمة. لكنّها صَبَرَت، فأَعَدّ الله لها بَراءة من فَوق سَبع سَماوات تُتلى إلى يَومنا.
3) العِزّة في التَّوَكُّل على الله
لمّا قالت لها أُمّها «قُومي إليه»، قالت: «والله لا أَقوم إليه، ولا أَحمَد إلا الله». مَن جاءَه التَّكريم من الله، لا يَنحَني إلا له.
4) النِّعمة في خاتِمة الحَياة
نِعمة الله على عائشة أن جُمع رِيقها ورِيق النَّبيّ ﷺ في آخر لَحَظاته. اطلب من الله حُسن الخاتِمة، فهي خَير من النَّعيم كلِّه.
5) الكَرَم لا يَعرف عَدّ
مئة أَلف دِرهم في يومٍ واحد، وهي صائمة لا تَجد ما تُفطر عليه. العَطاء بَركة في القَلب لا يَفهَمه إلا أَهله.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء للذهبي. الإصابة لابن حجر.