النَّسَب والمَولد
هو الحَسَن بن أَبي الحَسَن يَسار البَصريّ. وُلِد بالمَدينة سنة 21 هـ في خِلافة عُمَر بن الخَطّاب رَضي الله عنه. كانت أُمّه «خَيرة» مَولاة لأُمّ سَلَمة أُمّ المُؤمنين، وكانت تَتَرَدَّد عليها بصاحِبها الصَّغير.
نَشأ في بَيت فيه نُور النُّبُوّة. تَقول الرِّوايات: كانت أُمّ سَلَمة إذا بَكى يَأخذها لُطفها به، فتُرضعه. فيُقال: إنّ من فَصاحَته وحِكمَته أَثَر ذلك اللَّبَن المُبارك.
القِصّة المُؤثِّرة الأولى: تَربية أُمّ سَلَمة
كانت أُمّ سَلَمة تَدعو له، وتَمسَح رأسه، وتَقول: «اللهمّ فَقِّههُ في الدِّين، وحَبِّبه إلى النّاس». فاستَجاب الله دُعاءها، حتى ما رأى النّاس بَعد الصَّحابة أَفقَه ولا أَحَبَّ منه.
شُيوخه
أَدرَك الحَسَن البَصريّ كَثيراً من الصَّحابة. أَخَذ العِلم عَن:
- عُمَر بن الخَطّاب: رَآه وهو صَغير.
- عَلِيّ بن أَبي طالب: رَوى عنه.
- عَبد الله بن عبّاس: لازَمه.
- أَنَس بن مالك: أَكثَر الرِّواية عنه.
- عِمران بن حُصَين وأُمّ سَلَمة وعائشة رَضي الله عنها وغَيرهم.
ثم انتَقَل إلى البَصرة، فصار شَيخها وإمامها.
فَقهه وعِلمه
كان فَقيه عَصره. قال قَتادة بن دِعامة: «كان الحَسَن من أَعلَم النّاس بالحَلال والحَرام».
وقال أَبو قَتادة: «عَلَيكم بهذا الشَّيخ، فما رَأَيتُ أَحَداً أَشبَه بآراء عُمَر منه».
وكانت حَلَقَته في مَسجد البَصرة تَجمع الآلاف. مَنهَجه في التَّعليم كان قائماً على ثَلاثة:
- القُرآن.
- حَديث رَسول الله ﷺ كما بَلَغه.
- آراء الصَّحابة الذين عاش بَينهم.
القِصّة المُؤثِّرة الثانية: مَوقفه مع الحَجّاج
كان الحَجّاج بن يوسف الثَّقَفي والياً على العِراق، وكان جَبّاراً يَقتُل النّاس على شُبُهات. وكان يَخاف منه كَثير من العُلماء، فلا يَجرؤ أَحَد على الإنكار عليه.
أمّا الحَسَن البَصريّ، فكان يَقوم في مَجلسه، ويَنتَقد الحَجّاج عَلانية، ويُذَكِّر النّاس بالظَّالم. حتى قال يَوماً عن قَصر الحَجّاج: «بَنى الحَجّاج في الخَضراء قُبّة، تأَلَّقَت بشَوكة. وظَنَّ الحَجّاج أنّها حَصينة. ولَقَد تَطايَرَت عن قَريب، وما عَلِم أنّ في يَد الله ما هو أَكبَر من ذلك».
فلمّا بَلَغ الحَجّاج كَلامُه، غَضِب وقال: «يا أَهل الشّام، انظُروا إلى هذا الشَّيخ، يَقومُ فيَنتَقد أَمير المُؤمنين وأَنا في القَصر! لأَستَبيحَنَّ دَمه».
ثم أَرسَل الجُند إليه. فلمّا جاؤوا بالسُّيوف، قام الحَسَن وصَلّى رَكعتَين، ثم خَرَج إليهم. فحَدَّق فيهم، فجَعَلوا يَرتَعدون من هَيبَته. فقاد إلى الحَجّاج. فلمّا رآه الحَجّاج، قام له وأَجلَسه إلى جَنبه، وأَكرَمه، وقال: «ما حاجَتُك؟»
فخَرَج الحَسَن سالماً. سَأَله النّاس: «ما الذي قُلتَ في نَفسك حين دَخَلتَ على الحَجّاج؟» قال: «قُلتُ: يا أَدِيبَ الأَدَبَة، يا مَلجأ الفُقَراء، يا أَنيس المُستَوحِشين، يا حَبيب التَّوّابين، اجعَل غَضَبه عَلَيّ بَرداً وسَلاماً، كما جَعَلتَ النّار على إبراهيم بَرداً وسَلاماً».
فاستَجاب الله دُعاءه.
مَواعِظه التي بَكى منها التابعون
كان الحَسَن البَصريّ مُذَكِّراً بالآخرة، حتى قال أَحَد تَلامذَته: «ما رَأَيتُ مَجلساً أَكثَر بُكاءً من مَجلس الحَسَن».
من أَقواله الباقية:
- «ما رأَيتُ يَقيناً لا شَكَّ فيه أَشبَه بشَكٍّ لا يَقين فيه من المَوت».
- «ابن آدم، إنّما أنتَ أَيّام، فإذا ذَهَب يَوم ذَهَب بَعضك».
- «إنّما أُجلِسَك لتُرَى ما تَصنَع لله».
- «ابن آدَم، تَفَرَّغ لي إن كُنتَ صادِقاً، فإنّك مَيِّت لا مَحالة».
ولمّا سُئل عن الإيمان: «ليس الإيمان بالتَّمَنّي ولا بالتَّحَلّي، ولكنّه ما وَقَر في القَلب وصَدَّقَه العَمَل».
القِصّة المُؤثِّرة الأخيرة: وَفاتُه
تُوُفِّي الحَسَن البَصريّ سنة 110 هـ، عن عُمر يُناهز التِّسعين. لمّا بَلَغ خَبَر وَفاته، خَرَج النّاس فَزَعِين، حتى إنّه دُفِن بَعد العَصر، وصَلَّت الجَماعة المَغرب يَومَها بدون إمام، إذ كان الإمام كلُّه قد مات.
قالوا: لمّا وُضِع في قَبره، جاءَه أَحَد تلاميذه وبَكى وقال: «يا شَيخَنا، أَهَكذا تَدَعُنا وحدَنا في هذه الفِتَن؟».
كان وَفاة الحَسَن البَصريّ هو بِدايَة عَهد جَديد: عَهد بَدأ فيه العِلم يَفتَرق عَن العَمَل، والإيمان عن السُّلوك. وما زال صَوته بَعد القُرون يُذَكِّرنا.
دُروس من حياته
1) دَعوة الأُمّ تَصنَع العُظَماء
ما كان الحَسَن البَصريّ ليَكون «الحَسَن البَصريّ» لَولا دَعوة أُمّ سَلَمة وأُمّه له. لا تَستَهيني بدُعاء أُمّ على ابنها.
2) العِلم بدون عَمَل لا يَنفع
كَلِمته الخالِدة: «ليس الإيمان بالتَّمَنّي... بل ما وَقَر في القَلب وصَدَّقه العَمَل».
3) الجُرأة في الحَقّ
كان يَقف في وَجه الحَجّاج، أَعتى ظالم في زَمَنه. العالم الحَقّ هو الذي يَقول كَلمة الحَقّ ولو خَسِر.
4) الدُّعاء قَبل المُواجَهة
ما واجَه الحَجّاج إلا بَعد رَكعتَين ودُعاء. مَن قَدَّم بَين يَدَيه الصَّلاة والدُّعاء، نَجا في كل مَوقف.
5) ذِكر المَوت يُحيي القَلب
كان مَجلسه أَكثَر مَجالس البَصرة بُكاءً، لأنّه كان يَذكر النّار والقَبر والحِساب. القَلب الذي يَنسى الآخرة يَموت قَبل أن يَموت.
المراجع والمصادر
سير أعلام النبلاء للذهبي. حلية الأولياء لأبي نعيم. تاريخ الإسلام للذهبي.