imams

الإمام مالك بن أَنَس رَحمه الله — إمام دار الهِجرة

صاحب «المُوَطَّأ»، إمام أَهل المَدينة، الذي وَقَف في وَجه أَكبَر الخُلَفاء ولم يُغَيِّر فَتواه.

النَّسَب والمَولد

هو مالك بن أَنَس بن مالك بن أَبي عامر الأَصبَحي اليَمَني الأَصل، المَدَني المَولد. وُلِد بالمَدينة المُنَوَّرة سنة 93 هـ.

نَشأ في بَيت عِلم: جَدّه مالك بن أَبي عامر كان من كِبار التابِعين، ووالده أَنَس وأَخوه النَّضر كانوا من العُلماء.

القِصّة المُؤثِّرة الأولى: حَمل العِلم

أَخبَر الإمام عَن نَفسه فقال: «كنتُ آتي نافِعاً مَولى ابن عمر نِصف النَّهار، وما تُظِلُّني الشَّجَر من الشَّمس. أَتَحَيَّن خُروجه. فإذا خَرَج تَركته ساعة كأنّي لم أَره. ثم أَتَعَرَّض له، فأُسَلّم عليه، وأَدَعه حتى يَدخل الدّار، ثم أَستَأذن عليه، فأَدخل، فأَسأَله عن المَسألة بَعد المَسألة».

كان شابّاً يَتَحَمَّل الشَّمس والحَرّ من أَجل مَسأَلة. هكذا حُمل العِلم.

شُيوخه

أَخَذ العِلم عن أَكثَر من 900 شَيخ في المَدينة، أَشهَرهم:

  • نافع مَولى ابن عمر.
  • ابن شِهاب الزُّهريّ.
  • رَبيعة الرأي.
  • عَبد الرَّحمن بن هُرمز الأَعرج.
  • يَحيى بن سَعيد الأَنصاري.

كِتاب «المُوَطَّأ»

ألَّف مالك «المُوَطَّأ» بطَلَب من الخَليفة أَبي جَعفَر المَنصور. وهو أَوَّل كِتاب جامع للحَديث والفِقه. أَمضى في تَأليفه 40 سَنة، يَنتَقي ويُراجع، حتى قال: «عَرَضتُ كِتابي على سَبعين فَقيهاً من فُقَهاء المَدينة، فكلّهم واطَأَني عليه (أَجمَعوا)، فسَمَّيتُه المُوَطَّأ».

قال الإمام الشّافعي: «ما عَلى الأَرض كِتاب بَعد كِتاب الله أَصَحّ من كِتاب مالك».

القِصّة المُؤثِّرة الثانية: المَجلس الذي يُهابُ

كان مَجلس مالك مَحَلّ هَيبة عَجيبة. كان يَجلس على فِراشه، يَتَطَيَّب، يَلبَس أَفخَر الثياب، ويَجلس النّاس بَين يَدَيه بالأَدَب التامّ.

قال مُطَرِّف: «ما رَأَيتُ مَجلساً أَجَلَّ ولا أَهيَب من مَجلس مالك. كان رَجُلاً مَهيباً، نَبيلاً. ليس في مَجلسه شَيء من المِراء واللَّغَط ورَفع الصَّوت. وكان إذا سُئل عَن مَسأَلة قال للسائل: انصَرف، حتى أَنظُر فيها. فيَنصَرف، فيَنظُر فيها».

ولَو سُئل عَن مَسأَلة وهو يَتَوَضّأ، يَترك الوُضوء حتى يَجيب، إلا في الفَريضة.

القِصّة المُؤثِّرة الثالثة: الفَتوى أَمام الخَليفة

قَدِم الخَليفة هارون الرَّشيد إلى المَدينة في الحَجّ. فأَرسَل إلى مالك يَأمره أن يَأتي إليه ليُعَلِّم أَولاده. فكَتَب إليه مالك:

> «يا أَمير المُؤمنين، إنّ العِلم يُؤتى إليه، ولا يَأتي»

أي: العِلم يُذهَب إليه، لا يُذهَب به إلى النّاس. فأَتى الرَّشيد بنَفسه إلى بَيت مالك مع أَولاده، وجَلَس على البِساط. ثم لمّا أَراد مالك أن يُحَدِّثه، قام وأَجلَس الرَّشيد على فِراش، وقال له:

> «تَواضَع للعِلم، يَرفَعك»

وكان مالك يَلبَس ثِياباً غاليَة في مَجلس العِلم لتَعظيم العِلم، لا لزَهو في نَفسه. كان يَقول: «أُحبّ التَّجَمُّل في العِلم، تَوقيراً له».

القِصّة المُؤثِّرة الأَخيرة: الجَلْد على فَتواه

في خِلافة أَبي جَعفَر المَنصور، وقَع خِلاف بَين مالك والوالي على المَدينة في مَسأَلة طَلاق المُكرَه. فأَفتى مالك بأنّ طَلاق المُكرَه لا يَقع. فلمّا بَلَغ الوالي، أَمَر بضَربه. فضُرِب سَبعين سَوطاً، حتى انخَلَع كَتفه. ودَفَعوه على رَأس بَعير في شَوارع المَدينة، يُهانُ في الناس.

ومع كل هذا، لَم يَتَراجَع عن فَتواه. وأَصبَح الجُرح الذي في كَتِفه شَرَفاً، يُذَكِّر النّاس أنّ هذا الإمام لم يُغَيِّر دينه لخَوف من سُلطان.

وَفاتُه

تُوُفِّي مالك بالمَدينة سنة 179 هـ، عَن 86 سَنة. ودُفن في البَقيع بَين الصَّحابة الذين عَلَّمه عَنهم العِلم. لمّا مات، حَزِنَت المَدينة كلّها، وقال النّاس: «خَرَجَت بَركة المَدينة».

دُروس من حياته

1) العِلم يُطلَب بالتَّعَب

كان يَنتَظر شَيخه نِصف النَّهار في الشَّمس من أَجل مَسأَلة. مَن لم يَتَعَب لطَلَب العِلم، لن يَنتَفع به.

2) العالم يَتَواضَع للعِلم لا للسُّلطان

رَفَض الذَّهاب إلى الخَليفة، وأَجلَس الخَليفة بَين يَدَيه. لأنّ العِلم لله، لا لأَمير المُؤمنين.

3) الإمام لا تَحرّكه السُّلطة

ضُرِب 70 سَوطاً، فلَم يَتَراجَع عن فَتواه. العِلم أَمانة لا تُباع بسَوط ولا بمال.

4) الخُلُق يَزين العِلم

هَيبة مالك في مَجلسه ما كانت من قُوّة جَسَد، بل من قُوّة قَلب. والوَقار في طَلَب العِلم نِصف العِلم.

5) الإتقان قَبل الانتشار

أَمضى 40 سَنة في كِتاب واحد. ما كان يُمَلّ من المُراجَعة. والعَمَل المُتقَن خَير من ألف عَمَل مُتَسَرِّع.

المراجع والمصادر

سير أعلام النبلاء للذهبي. ترتيب المدارك للقاضي عياض. حلية الأولياء.