هو سَعد بن مالك بن أُهَيْب الزُّهْريّ القُرشيّ (أبوه مالك، يُكنّى أبا وقّاص). يَلتقي نَسبه بالنبي ﷺ في "كِلاب بن مُرّة" (وهو خال النبي ﷺ من جهة الأمّ).
كنيته: أبو إسحاق. وُلِد بمكة سنة 23 ق.هـ.
إسلامه
كان من السابقين الأوّلين. أَسلم وعمره 17 سنة. كان أحد ثَلاثة في الإسلام (مع أبي بكر وزيد بن حارثة) عند بَعض الروايات. عَذَّبته أُمّه وامتنعت عن الطَّعام لتَرْجِعَه عن الإسلام، فأنزل الله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15] (صحيح مسلم).
أوّل من رَمى بسَهم في الإسلام
في سَريّة عبد الله بن جَحْش، رَمى سَعدٌ بسهم فأصاب رَجُلاً من المشركين. فكان أوّل سَهم رُمي به في الإسلام.
قال سعد: «لقد رأيتُني وأنا ثُلُثُ الإسلام» (أي ثالث من أَسلم). وقال: «لقد رأيتُني سادسَ ستة، ما على الأَرض من الإسلام إلا ما يَعرف الإسلامُ مِنّا».
فضائله
- أحد العَشرة المبشَّرين بالجنّة.
- من السِّتّة أهل الشُّورى الذين تُوفّي عنهم النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ.
- مُجاب الدَّعوة: قال له النبي ﷺ: «اللهم استجب لسَعد إذا دعاك» (الترمذي وحسّنه). فكان دُعاؤه مستجاباً.
- قال له النبي ﷺ يوم أُحد: «ارمِ سَعد، فِداك أبي وأمّي» — ولم يقلها لغيره (متفق عليه).
- خال النبي ﷺ: كان النبي ﷺ يفخر به ويقول: «هذا خالي، فلْيَفْخَرْ كلٌّ بخالِه» (سنن الترمذي وحسّنه).
فَتح القادسية
في خِلافة عمر، اخْتاره عمرُ لقَيادة جَيش العراق. التَقى بالفُرس في معركة القادسية سنة 15هـ، فحَقَّق نَصراً عَظيماً غَيَّر التاريخ. ثم فَتح المَدائن عاصمة الفُرس، ودَخل الإيوان الكسروي.
كانت القادسية من أكبر المعارك الفاصلة في التاريخ، فَتح بها المسلمون الإمبراطورية الفارسية.
في الفتنة
اعْتَزل الفِتنة كاملةً. لم يُشارك في معركة الجَمَل ولا صِفِّين، بل اعتزل الناسَ في إِبِله. وحَجَّ مع معاوية ولم يَدخل في القِتال.
دعوة سعد المُستجابة
لمّا شَكاه أهل الكوفة لعمر بقَولهم: «إنّه لا يُحْسِن يُصلِّي» (في مَكر منهم لإبعاده)، تَوضَّأ سعدٌ وصَلَّى ركعتين ثم قال: «اللهم إن كان عبدُك هذا — يَعني نَفْسه — قام رياءً وسُمعةً فأَطِل عُمره وأَطِل فَقْره وعَرِّضه للفِتن. وإن كان قد كَذَب وقام رياءً فأَفْعل به مثلَ ذلك (يَعني عَكسَ هذا) ». فاستُجيب دُعاؤه: عُمِّر الكَذّابون حتى ضَعفوا واقتربت أَعناقهم من رُكَبهم.
وفاتُه
تُوفّي بالعَقيق (قرب المدينة) سنة 55هـ، عن 75 سنة. آخر العَشرة المبشَّرين موتاً. حَمل على أَكتافه إلى المدينة، ودُفن بالبَقيع.
دروس من حياته
- اليَقين في الدِّين: ثَبَت أمام تَهديد أُمّه بالموت من الجوع.
- الجِهاد المُتقن: قاد فَتْحاً غَيَّر التاريخ.
- الاعتزال عند الفِتن: لم يُشارك فيها مُحافظاً على دَمِه ودين الناس.
- التَّضرّع بالدُّعاء: دعا الله بصِدق فاستُجيب له.
قصّة مؤثّرة — نَزل القرآن في برّه بأمّه
أَسلم سَعد وهو ابن سَبع عشرة سَنة. كانت أمّه حَمْنَة بنت سُفيان تُحبّه حُبّاً شَديداً. لمّا عَلِمت بإسلامه، جاءته باكيةً وقالت:
«يا سعد، ما هذا الدين الذي أَحدَثت؟ والله لا آكُلُ طَعاماً ولا أَشرَبُ شَراباً حتى تَرجع، أو أَموت فتُعَيَّر بي العَرب: قَتَل أمَّه».
أَضرَبَت عن الطعام والشَّراب يَوماً، ثم آخر، ثم ثالثاً. اشتدَّ بها الجوع حتى صار في مَنخَريها الإغماء. كانت تَنظُر إلى ابنها بعَين الأمّ، تَتمنّى أن يَلين قَلبه.
أَتى إليها سَعد. قَال لها كَلمةً ما قِيل مِثلها قَطّ في برّ الوالدَين والاعتزاز بالدين في آنٍ واحد:
«والله يا أُمّاه، لو كانت لكِ مئةُ نَفْس، فخَرجت نَفْساً نَفْساً، ما تَركتُ ديني هذا لشيء. فإن شِئتِ فكُلي، وإن شِئتِ لا تَأكُلي».
أَصرَّت بَعض الأَيام، ثم أَكلَت لمّا رَأت أنّ ابنها لن يَتراجَع.
وأَنزل الله فيه قُرآناً يُتلى إلى يوم القيامة:
﴿﴾﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 14-15].
قاعدة جامعة لكلّ مسلم: بِرّ الوالدَين دائم، حتى لو كانا كافرَيْن. ولكن إذا أَمراك بمَعصية الله، لا طاعة لمَخلوق في مَعصية الخالق. والمَعروف يَبقى — تُحْسِن إليهما، وتُكلّمهما بأَدب، وتَنفق عَليهما، ولا تَخرج عن دينك.
الدَّرس: الثَّبات على الدين فوق كلّ عاطفة، مع المُحافظة على البِرّ والإحسان. سَعد رَفَض الشِّرك، لكنه لم يَترك أمَّه ولا أَساء إليها.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء. تاريخ الطبري.