هو عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أُمَيّة بن عبد شَمس بن عبد مَناف القرشيّ الأمويّ. يَلتقي نَسبه بالنبي ﷺ في "عبد مَناف".
كنيته: أبو عبد الله، أبو عَمرو. ولَقَبه: ذو النورين (لأنه تَزوّج رُقيّة ثم أُمّ كُلْثوم بِنتَي رسول الله ﷺ، ولم يُجمع بين ابنتَي نبيٍّ غيرُه).
وُلِد بالطّائف سنة 47 ق.هـ، بعد عام الفِيل بست سنين. كان غَنيّاً ثَرياً، تاجراً ناجحاً، حَسَن المظهر، طَيّب العِشرة، كَريماً جَوَاداً.
إسلامه
كان من السابقين الأوّلين، أَسلم على يَد أبي بكر الصدّيق. كان من أوائل من أَسلم في مكة قَبل أن يَدخل النبي ﷺ دار الأَرْقم.
فضائله
- زواجه من بِنتَي النبي ﷺ: تَزوّج أوّلاً رُقيّة، ولمّا تُوفِّيت زوّجه ﷺ أُمّ كُلثوم. ولذلك سُمِّي «ذا النّورين». قال ﷺ: «لو كان لي ثالثة لزوّجتُك» (نقله الذهبي في «السير» 2/575).
- حَياؤه: قال ﷺ: «ألا أَستحي من رَجُل تَستحي منه الملائكة؟» (صحيح مسلم).
- شراء بِئر رُومة: لمّا قَدِم النبي ﷺ المدينة، لم يكن فيها بِئر عَذْب إلا بِئر رُومة، يَملكها يهوديّ يَبيع ماءها للمسلمين. اشتراها عثمان وجَعلها وَقفاً للمسلمين. قال ﷺ: «من حَفَر بئر رُومة فله الجنّة» (صحيح البخاري بنحوه).
- تَجهيز جَيش العُسرة: في غزوة تبوك جَهّز ثُلث الجيش بنفسه (300 بَعير بأَحلاسها وأَقتابها، و1,000 دينار). فقال النبي ﷺ: «ما ضَرّ عثمانَ ما عَمِل بعد اليوم». وفي رواية: «اللهم ارضَ عن عثمان فإنّي عنه راضٍ» (الترمذي وحسّنه).
خِلافته (24-35 هـ)
اخْتاره عمر في الستّة الذين تَوفّي عنهم النبي ﷺ وهو راضٍ، فبُويع بعد قَتل عمر. كانت خِلافته 12 سنة.
من أعظم إنجازاته:
- توحيد المُصْحَف: لمّا اختلف الناس في القراءة، جَمع المُصحف على حَرفٍ واحدٍ ووَزّع المَصاحف على الأَمصار. هذا أعظم أَعماله، فحَفِظ الله به الأمّة من الفُرقة.
- توسيع الفُتوح: امتدّت الفتوح إلى المغرب وقُبرص وإيران الشَّرقيّة. وأَنشأ أوّل أُسطول بَحري إسلامي.
- توسيع المسجد النبوي والمسجد الحرام.
الفتنة واستشهاده
في آخر سَنوات خلافته بَدأت الفتنة. ثار عليه مجموعة من أهل العراق ومصر بسبب اتّهامات ظَهر بُطلانُها لاحقاً. حاصروا داره 40 يوماً وهو صائم صابر. كان يَقدر على قتالهم لكنّه أَبى أن يُسفك دمٌ من أجله، وقال: «إنّ النبي ﷺ عَهِد إلَيّ عَهداً أصبر عليه».
استُشهد وهو يَقرأ المصحف يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35هـ، عن 82 سنة. ودَخل عليه القتلة فضَربوه بالسيف فسَقطت قَطرات الدم على المصحف عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 137].
دُفن في البقيع رضي الله عنه. وكانت فتنته بداية الفتنة الكبرى التي امتدّت سنين.
دروس من حياته
- الجَمع بين الحَياء والقوّة: كان أحيا الناس ومع ذلك جَمع جيش العُسرة.
- الإنفاق في سبيل الله: تَجارة عثمان كانت لله، يَشتري بها الجنّة.
- حِفظ الأمّة من الانقسام: جَمعه للمصحف على حَرف واحد قَطع الفِتنة في القراءة.
- الصبر تحت البَلاء: حُوصر 40 يوماً وقُتل صائماً قارئاً للقرآن، ولم يُسفك دمٌ من أجله.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه عنه: «والله إن كان لأحَبَّنا إلى رسول الله ﷺ، وإن كان لأكثرَنا حياءً، وإن كان لأَوصلَنا للرَّحم» (نقله الذهبي في «السير»).
قصّة مؤثّرة — استشهادُه قارئاً للقرآن
في آخر أيام خِلافته، حَوصرت داره في المدينة. حاصره الثُّوّار 40 يَوماً، لم يَدَعوا أَحداً يَدخل عليه بطعام أو ماء. صَبَر صَبراً عَجيباً، وكان قادراً على الدفاع عن نَفسه بالصَّحابة المُحيطين، لكنه أَبى أن يُسفَك دَمٌ من أَجله.
قال للذين عَرضوا عليه القتال: «إنّي أَعزِم على كل من رأى أنّ له عليَّ سَمعاً وطاعة ألا يقاتل، ومن كَفَّ يَدَه فله الجنّة».
في يوم الدار، كان عثمان صائماً يَقرأ القرآن. اقْتَحَم الثّوّار الدار. دَخل عليه أَحدُهم بسَيفه، فضَربه. وفي رواية أخرى دَخلت عليه امرأته نائلة فضَربها فقَطعت أصابعَها وهي تَدافع عَنه. ضَربه آخر، فسالت قَطرات دَمه على المُصحف، فوقَعت بالضَّبط على قَوله تعالى:
﴿﴾﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137].
قِيل: ما زال الدمُ على هذه الآية في مُصحف عثمان قروناً.
قُتل ﷺ يومَ الجُمعة 18 ذي الحجة سنة 35هـ، وله 82 سَنة. كان آخر كَلامه: «اللهم اجمَع أمّةَ محمّد».
رَفض القتال حِفظاً لدَم المسلمين. كان قد رأى النبي ﷺ في المنام قبل وَفاته بثَلاث، يقول له: «يا عثمان، إن شِئتَ نَصرناك، وإن شِئتَ أَفطَرتَ عندنا». فاختار الإفطارَ عند النبي ﷺ في الجنة.
الدَّرس: الإيثار العَظيم — رَفض أن يُسفَك من أَجله دَم. الصَّبر تحت البَلاء. الثَّبات على الحقّ حتى آخر لَحظة.
المراجع والمصادر
صحيح البخاري ومسلم. سير أعلام النبلاء. عثمان بن عفان للصلابي.