التَّوَسُّل: اِتِّخاذ وَسيلة لله في الدُّعاء. مِنه ما هو مَشروع (واردِ بالشَّرع)، ومِنه ما هو بِدعة، ومِنه ما هو شِرك أَكبَر. الخَلط بَينها أَوقَع كَثيراً من المُسلمين في الشِّرك من حَيث لا يَشعُرون. مَعرِفة الحَدّ بَين الأَنواع واجِبة.
الأَدلّة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾
تَفصيل ومَسائل
النَّوع الأَوَّل: تَوَسُّل مَشروع بأَسماء الله وصِفاته
هذا أَفضَل أَنواع التَّوَسُّل. أَمَر الله به في كِتابه. صور: (1) «اللهم إنّي أَسأَلك بأنّك أَنت الله الذي لا إله إلا أَنت، الأَحَد الصَّمَد، الذي لَم يَلِد ولَم يولَد ولَم يَكُن له كُفُواً أَحَد» (دُعاء ابن مَسعود في الترمذي). (2) «يا حَيّ يا قَيّوم برَحمَتك أَستَغيث». (3) «اللهم إنّي أَعوذ بكَلِمات الله التامّات». كل اسم وصِفة لله تَدخُل في هذا الباب.
النَّوع الثاني: تَوَسُّل مَشروع بالعَمَل الصّالِح
أَن تُقَدِّم بَين يَدَي دُعائك عَمَلاً صالِحاً عَمِلتَه، تَتَوَسَّل به. حَديث الغار في الصَّحيحَين: ثَلاثة آوَتهم صَخرة، توَسَّل كل واحِد بعَمَل صالِح (الأَوَّل ببِرّه بوالِدَيه، الثاني بعِفَّته، الثالِث بأَدائه الأَمانة)، فاستَجاب الله. اَلتَزِم: «اللهم إن كنت تَعلَم أنّي صُمت لك، فاستَجِب دُعائي».
النَّوع الثالِث: تَوَسُّل مَشروع بدُعاء رَجُل صالِح حَيّ
أن تَطلُب من رَجُل صالِح حَيّ أن يَدعو لك. هذا ثابِت — الصَّحابة كانوا يَطلُبون من النَّبيّ ﷺ في حَياته أن يَدعو لهم. الشَّرط: أن يَكون حَيّاً (مَيِّت لا يَدعو لك). أَمثلة: تَقول لشَيخ تَعرِفه بصَلاحه: «اَدعُ لي بالتَّوفيق». لكنّ هذا لَيس واجِباً ولا أَفضَل من الدُّعاء المُباشَر لله.
النَّوع الرابِع: تَوَسُّل بِدعي (لَيس شِركاً)
تَوَسُّل بذات النَّبيّ ﷺ أَو ذات وَلي مَيِّت، أَو بحَقِّه، أَو بجاهه. مَثَلاً: «اللهم إنّي أَتَوَسَّل إلَيك بحَقّ نَبيّك مُحَمَّد». الراجِح أنّ هذه بِدعة لا شِرك (لأنّ الدّاعي يَدعو الله، لكن بوَسيلة لم يَأذَن بها الشَّرع). جَوَّزه بَعض الأَحناف والشّافِعية، ومَنَعه الجُمهور. اَتَجَنَّبه احتِياطاً.
النَّوع الخامِس: تَوَسُّل شِرك أَكبَر
دُعاء غَير الله، الاستِغاثة بمَيِّت، طَلَب الحَوائج من قَبر. مَثَلاً: «يا سَيِّدي البَدَوي، اقضِ حاجَتي»، «يا حُسَين، اشف ابني»، «يا شَيخ، نَجِّني». هذا شِرك صَريح، لأنّ المَيِّت لا يَسمَع، ولو سَمِع لا يَملِك ضُرّاً ولا نَفعاً. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾.
الفَرق بَين «اللهم بحَقّ نَبيّك» و«يا نَبيّ»
(1) «اللهم بحَقّ نَبيّك اشف ابني»: الدُّعاء لله، الوَسيلة جاه النَّبيّ ﷺ — هذا بِدعة لا شِرك (المُتَوَجَّه إلَيه بالدُّعاء هو الله). (2) «يا رَسول الله اشف ابني»: الدُّعاء للنَّبيّ مُباشَرة بطَلَب الشِّفاء — هذا شِرك أَكبَر لأنّ الدّاعي صَرَف العِبادة لمَخلوق. اَنتَبه للفَرق الدَّقيق.
شُبهة: ألَيس الصَّحابة تَوَسَّلوا بالعَبّاس بَعد مَوت النَّبيّ ﷺ؟
نَعَم، لمّا حَصَل قَحط في عَهد عُمَر، قال: «اللهم إنّا كُنّا نَتَوَسَّل إلَيك بنَبيِّنا فتَسقينا، وإنّا نَتَوَسَّل إلَيك بعَمّ نَبيِّنا فاسقِنا». ثم قام العَبّاس فدَعا. هذا تَوَسُّل بدُعاء العَبّاس (الحَيّ)، لا بذاته. لو كان التَّوَسُّل بذات النَّبيّ ﷺ بَعد مَوته مَشروعاً، لَتَوَسَّلوا بذاته لا بعَمّه (لأنّ النَّبيّ ﷺ أَفضَل). فدَلَّ عَلى أنّ التَّوَسُّل بدُعاء الحَيّ هو المَشروع.
خُلاصة الباب
(1) تَوَسَّل بأَسماء الله وصِفاته — مَشروع وأَفضَل. (2) تَوَسَّل بعَمَلك الصّالِح — مَشروع. (3) تَوَسَّل بدُعاء حَيّ صالِح — مَشروع. (4) تَوَسَّل بذات النَّبيّ ﷺ بَعد مَوته أَو بجاهه — تَجَنَّبه، بِدعة عَلى الراجِح. (5) دُعاء النَّبيّ ﷺ أَو الوَلي مُباشَرة، الاستِغاثة بهم في كَرب — شِرك أَكبَر مُخرِج من الإسلام.
تَنبيهات
قَول «يا رَسول الله» بنِيّة الاستِغاثة منه ﷺ بَعد مَوته — شِرك أَكبَر.
زيارة قُبور الأَولياء لطَلَب الحاجة منهم — شِرك أَكبَر.
قِراءة الفاتِحة عَلى روح الوَلي ليَدعو لك — اعتِقاد باطِل.
اِعتِقاد أنّ ضَريحاً مُعَيَّناً «تَستَجاب فيه الدَّعَوات» — بِدعة قَد تُؤَدّي للشِّرك.